فصل: الآية رقم ‏(‏182 ‏:‏ 183‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 الآية رقم ‏(‏180‏)‏

‏{‏ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ‏}‏

عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال،

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن للّه تسعاً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر‏)‏ ‏"‏أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه وزاد الترمذي ‏"‏هو اللّه الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن‏.‏‏.‏ وذكر أسماء اللّه الحسنى ‏.‏ ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين،

بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما أصاب أحداُ قط هم ولا حزن فقال‏:‏ اللهم إني عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي،

إلا أذهب اللّه حزنه وهمه، وأبدل مكانه فرحاً‏)‏ فقيل‏:‏ يا رسول اللّه أفلا نتعلمها‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها‏)‏ وذكر ابن العربي أحد ائمة المالكية في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي أن بعضهم جمع من الكتاب والسنّة من أسماء اللّه ألف اسم، فاللّه أعلم‏.‏ وقال ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذروا الذين يلحدون في أسمائه‏}‏، قال‏:‏ إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء اللّه، وقال مجاهد‏:‏ اشتقوا اللات من اللّه، والعزى من العزيز، وقال قتادة‏:‏ يلحدون‏:‏ يشركون في أسمائه‏.‏ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ الإلحاد‏:‏ التكذيب، وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر‏.‏

 الآية رقم ‏(‏181‏)‏

‏{‏ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وممن خلقنا‏}‏ أي بعض الأمم ‏{‏أمة‏}‏ قائمة بالحق قولاً وعملاً ‏{‏يهدون بالحق‏}‏ يقولونه ويدعون إليه، ‏{‏وبه يعدلون‏}‏ يعملون ويقضون، وقد جاء في الآثار أن المراد في الآية هذه الأمة المحمدية، قال قتادة‏:‏ بلغني أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية‏:‏ ‏(‏هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها، ‏{‏ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون‏}‏‏.‏ وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل‏)‏، وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال، قال رسول الّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك‏)‏

 الآية رقم ‏(‏182 ‏:‏ 183‏)‏

‏{‏ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ‏.‏ وأملي لهم إن كيدي متين ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون‏}‏ ومعناه أن يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون‏}‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأملي لهم‏}‏ أي وسأملي لهم أي أطول لهم ما هم فيه ‏{‏إن كيدي متين‏}‏ أي قوي سديد‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏184‏)‏">

الآية رقم ‏(‏184‏)‏

‏{‏ أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏أولم يتفكروا‏}‏ هؤلاء المكذبون بآياتنا ‏{‏ما بصاحبهم‏}‏ يعني محمداً صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏من جنة‏}‏ أي ليس به جنون بل هو رسول اللّه حقاً، دعا إلى حق ‏{‏إن هو إلا نذير مبين‏}‏ أي ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما صاحبكم بمجنون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد‏}‏، يقول ‏{‏ثم تتفكروا‏}‏ في هذا الذي جاءكم بالرسالة من اللّه أبه حنون أم لا، فإنكم إن فعلتم ذلك بان لكم وظهر أنه رسول اللّه حقاً وصدقاً، وقال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان على الصفا فدعا قريشاً، فجعل يفخذهم فخذاً فخذاً، يا بني فلان، يا بني فلان، فحذرهم بأس اللّه ووقائع اللّه، فقال قائلهم‏:‏ إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح، فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏185‏)‏

‏{‏ أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ أولم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك اللّه وسلطانه في السموات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، فيؤمنوا باللّه ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب اللّه وأليم عقابه، وقوله‏:‏ ‏{‏فبأي حديث بعده يؤمنون‏}‏ يقول‏:‏ فبأي تخويفٍ وتحذيرٍ وترهيب بعد تحذير محمد صلى اللّه عليه وسلم وترهيبه الذي أتاهم به من عند اللّه، يصدقون إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند اللّه عزَّ وجلَّ‏؟‏

 الآية رقم ‏(‏186‏)‏

‏{‏ من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ‏}‏

يقول تعالى من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر فإنه لا يجزي عنه شيئاً ‏{‏ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئا‏}‏، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏187‏)‏

‏{‏ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الساعة‏}‏ قيل‏:‏ نزلت في قريش، وقيل في نفر من اليهود، والأول أشبه لأن الآية مكية، وكانوا يسألون عن وقت الساعة استبعاداً لوقوعها وتكذيباً بوجودها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أيان مرساها‏}‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ منهاها أي متى محطها، وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة‏:‏ ‏{‏قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو‏}‏، أمر تعالى رسول صلى اللّه عليه وسلم إذا سئل عن وقت الساعة أن يرد علمها إلى اللّه تعالى، فإنه هو الذي يظهر أمرها، ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ثقلت في السماوات والأرض‏}‏‏.‏ قال قتادة‏:‏ ثقل علمها على أهل السموات والأرض، قال الحسن‏:‏ إذا جاءت ثقلت على أهل السموات والأرض، يقول كبرت عليهم، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ثقلت في السموات والأرض‏}‏ قال‏:‏ ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة؛ وقال ابن جريج‏:‏ إذا جاء انشقت السماء، وانتثرت النجوم وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قال اللّه عزَّ وجلَّ، فذلك ثقلها، واختار ابن جرير رحمه اللّه أن المراد‏:‏ ثقل علم وقتها على أهل السموات والأرض كما قال قتادة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تأتيكم إلا بغتة‏}‏، ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السموات والأرض واللّه أعلم، وقال السدي‏:‏ خفيت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل ‏{‏لا تأتيكم إلا بغتة‏}‏ قال‏:‏ وذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏(‏إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، ويخفض ميزانه ويرفعه‏)‏ وقال البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ولتقومن الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها‏)‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك كأنك حفي عنها‏}‏ اختلف المفسرون في معناه، فقيل‏:‏ معناه كأنّ بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم، قال ابن عباس‏:‏ لما سأل الناس النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمداً حفي بهم، فأوحى اللّه إليه‏:‏ إنما علمها عنده استأثر به فلم يطلع اللّه عليها ملكاً مقرباً ولا رسولاً، وقال قتادة، قالت قريش لمحمد صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ إن بيننا وبينك قرابة فأسرَّ إلينا متى الساعة‏؟‏ فقال اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏يسألونك كأنك حفي عنها‏}‏، والصحيح عن مجاهد قال‏:‏ استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها، وكذا قال الضحاك عن ابن عباس‏:‏ كأنك عالم بها لست تعلمها، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ‏{‏كأنك حفي عنها‏}‏‏:‏ كأنك بها عالم وقد أخفى اللّه علمها على خلقه، وقرأ‏:‏ ‏{‏إن اللّه عنده علم الساعة‏}‏ الآية؛ وهذا القول أرجح في المقام من الأول، واللّه أعلم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏قل إنما علمها عند اللّه ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏، ولهذا جاء جبريل عليه السلام في صورة أعرابي ليعلم الناس أمر دينهم، فجلس من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مجلس السائل المسترشد، وسأله صلى اللّه عليه وسلم عن الإسلام، ثم عن الأديان، ثم عن الإحسان، ثم قال‏:‏ فمتى الساعة‏؟‏ قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما المسئول عنها بأعلم من السائل‏)‏ أي لست أعلم بها منك ولا أحد أعلم بها من أحد ثم قرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إن اللّه عنده علم الساعة‏}‏ الآية، وفي رواية‏:‏ فسأله عن أشراط الساعة فبين له أشراط الساعة، ثم قال‏:‏ ‏(‏في حمس لا يعلمهن إلا اللّه‏)‏، وقرأ هذه الآية، ثم لما انصرف قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم‏)‏ ‏"‏قال ابن كثير‏:‏ قد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد في أول شرح البخاري‏"‏، ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال‏:‏ يا محمد، قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هاؤم‏)‏ على نحوٍ من صوته، قال‏:‏ يا محمد متى الساعة‏؟‏ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ ما أعددت لها كبير صلاة ولاصيام، ولكني أحب اللّه ورسوله، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏المرء مع من أحب‏)‏ فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث‏.‏

وقال الإمام أحمد عن حذيفة قال‏:‏ سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الساعة، فقال‏:‏ ‏(‏علمها عند ربي عزَّ وجلَّ لا يجلّيها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشارطها وما يكون بين يديها‏:‏ إن بين يديها فتنة وهرجاً‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول اللّه الفتنة قد عرفناها، فما الهرج، قال‏:‏ ‏(‏بلسان الحبشة‏:‏ القتل‏)‏، قال‏:‏ ‏(‏ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحداً‏)‏ وقال وكيع عن طارق بن شهاب قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يزال يذكر من شأن الساعة، حتى نزلت‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الساعة أيان مرساها‏}‏ الآية، وهذا إسناد قوي، فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات اللّه عليه وسلامه نبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة، والعاقب والمقفي والحاشر، الذي تحشر الناس على قدميه مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد رضي اللّه عنهما‏:‏ ‏(‏بعثت أنا والساعة كهاتين‏)‏ وقرن بين إصبيعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال‏:‏ ‏{‏قل إن علمها عند اللّه ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏188‏)‏

‏{‏ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ‏}‏

أمره اللّه تعالى أن يفوض الأمور إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه اللّه عليه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير‏}‏، قال مجاهد‏:‏ لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملاً صالحاً‏.‏ والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس ‏{‏لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير‏}‏ أي من المال، وفي رواية لعلمت إذا اشتريت شيئاً ما أربح فيه، فلا أبيع شيئاً إلا ربحت فيه، ولا يصيبني الفقر‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ وقال آخرون‏:‏ معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ‏{‏وما مسني السوء‏}‏ قال‏:‏ لاجتنبت ما يكون من الشر أن يكون واتقيته، ثم أخبر أنه هو نذير وبشير، أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏189 ‏:‏ 190‏)‏

‏{‏ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ‏.‏ فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى اللّه عما يشركون ‏}‏

ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام وأنه خلق منه زوجته حواء، ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها‏}‏ الآية، وقال في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏وجعل منها زوجها ليسكن إليها‏}‏ ليألفها ويسكن بها، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة‏}‏ فلا ألفة أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه، ‏{‏فلما تغشاها‏}‏ أي وطئها ‏{‏حملت حملا خفيفا‏}‏ وذلك أول الحمل فلا تجد المرأة له ألماً إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة، وقوله‏:‏ ‏{‏فمرت به‏}‏، قال مجاهد‏:‏ استمرت بحمله، وقال أيوب سألت الحسن عن قوله‏:‏ ‏{‏فمرت به‏}‏ قال‏:‏ لو كنت رجلاً عربياً لعرفت ما هي، إنما هي‏:‏ فاستمرت به، وقال قتادة ‏{‏فمرت به‏}‏‏:‏ استبان حملها، وقال العوفي عن ابن عباس‏:‏ استمرت به فشكت أحملت أم لا، ‏{‏فلما أثقلت‏}‏ أي صارت ذات ثقل بحملها، وقال السدي‏:‏ كبر الولد في بطنها، ‏{‏دعوا اللّه ربهما لئن آتيتنا صالحا‏}‏ أي بشراً سوياً، كما قال الضحاك عن ابن عباس‏:‏ أشفقا أن يكون بهيمة‏.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ لئن آتيتنا غلاماً لنكونن من الشاكرين ‏{‏فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى اللّه عما يشركون‏}‏‏.‏ ذكر المفسرون ههنا آثاراً وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها‏.‏

قال الإمام أحمد في مسنده عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال‏:‏ سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والترمذي والحاكم في المستدرك قال ابن كثير‏:‏ وهذا الحديث معلول وقد رجّح رحمه اللّه كونه موقوفاً على الصحابي وبيّن أنه غير مرفوع وضعّف ما ورد من آثار‏"‏‏.‏ قال ابن جرير عن الحسن ‏{‏جعلا له شركاء فيما آتاهما‏}‏ قال‏:‏ كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم، وعن قتادة قال كان الحسن يقول‏:‏ هم اليهود والنصارى رزقهم اللّه أولاداً فهودوا ونصروا، وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي اللّه عنه أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظاً عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابين وعن ابن عباس قال‏:‏ كانت حواء تلد لآدم عليه السلام أولاداً فيعبدهم للّه ويسميهم عبد اللّه وعبيد اللّه ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال‏:‏ إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال فولدت له رجلاً فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل اللّه يقول‏:‏ ‏{‏هو الذي خلقكم من نفس واحدة - إلى قوله - جعلا له شركاء فيما آتاهما‏}‏ إلى آخر الآية، وعنه قال‏:‏ أتاهما الشيطان فقال‏:‏ هل تدريان ما يولد لكما‏!‏ أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا‏؟‏ وزين لهما الباطل، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان‏:‏ إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سوياً ومات، كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما‏}‏ الآية‏.‏ وروى ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال‏:‏ لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها‏:‏ أتطيعيني ويسلم لك ولدك‏؟‏ سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال‏:‏ إن تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبها فأطاعا، وهذه الآثار يظهر عليها واللّه أعلم أنها من آثار أهل الكتاب، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه اللّه في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال اللّه‏:‏ ‏{‏فتعالى عما يشركون‏}‏ فذكر آدم وحواء أولاً كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس كقوله‏:‏ ‏{‏ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح‏}‏ الآية، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏191 ‏:‏ 198‏)

‏{‏ أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ‏.‏ ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون ‏.‏ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ‏.‏ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ‏.‏ ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ‏.‏ إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ‏.‏ والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ‏.‏ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ‏}‏

هذا إنكار من اللّه على المشركين الذين عبدوا مع اللّه غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة للّه مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئاً من الأمر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر عابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون‏}‏ أي أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئاً ولا يستطيع ذلك، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين تدعون من دون اللّه لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذوه منه ضعف الطالب والمطلوب‏}‏ أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئاً من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر‏؟‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يخلقون شيئا وهم يخلقون‏}‏ أي بل هم مخلقون مصنوعون كما قال الخليل‏:‏ ‏{‏أتعبدون ما تنحتون‏}‏ الآية، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يستطيعون لهم نصرا‏}‏ أي لعابديهم ‏{‏ولا أنفسهم ينصرون‏}‏ يعني ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فراغ عليهم ضربا باليمين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فجعلهم جذادا إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون‏}‏، وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح و معاذ بن جبل رضي اللّه عنهما، وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطباً للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ليرتأوا لأنفسهمن فكان لعمرو بن الجموح، وكان سيداً في قومه، صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفاً ويقول له‏:‏ انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضاً، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح، ورأى ذلك نظر، فعلم ان ما كان عليه من الدين باطل وقال‏:‏

تاللّه لو كنت إلهاً مستدن * لم تك والكلب جميعاً في قرن

ثم اسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيداً رضي اللّه عنه وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم‏}‏ الآية، يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها كما قال إبراهيم‏:‏ ‏{‏يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً‏}‏، ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم، بل الأناس أكمل منها، لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئاً من ذلك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل ادعوا شركاءكم‏}‏ الآية، أي استنصروا بها عليَّ فلا تؤخروني طرفة عين واجهدوا جهدكم، ‏{‏إن وليي اللّه الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين‏}‏ أي اللّه حسبي وكافيني وهو نصيري وعليه متكلي وإليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة وهو ولي كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود عليه السلام‏:‏ ‏{‏إني توكلت على اللّه ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم‏}‏، وكقول الخليل‏:‏ ‏{‏أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين‏}‏ الآيات، وكقوله لأبيه وقومه‏:‏ ‏{‏إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏والذين تدعون من دونه‏}‏ إلى آخر الآية؛ مؤكد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذاك بصيغة الغيبة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون‏}‏، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون‏}‏، إنما قال‏:‏ ‏{‏ينظرون إليك‏}‏ أي يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل لأنها على صور مصورة كالإنسان وتراهم ينظرون إليك، فعبر عنها بضمير من يعقل، وقال السدي‏:‏ المراد بهذا المشركون، والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير‏.‏

 الآية رقم ‏(‏199 ‏:‏ 200‏)

‏{‏ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ‏.‏ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ‏}‏

قال ابن عباس ‏{‏خذ العفو‏}‏ يعني خذ ما عفا لك من أموالهم وما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت إليه الصدقات، وقال الضحاك عن ابن عباس‏:‏ أنفق الفضل، وقال عبد الرحمن بن أسلم‏:‏ أمره اللّه بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم، واختار هذا القول ابن جرير، وقال غير واحد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خذ العفو‏}‏ قال‏:‏ من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس، وفي صحيح البخاري عن عبد اللّه بن الزبير قال‏:‏ إنما أنزل ‏{‏خذ العفو‏}‏ من أخلاق الناس‏.‏ وفي رواية عن أبي الزبير‏:‏ ‏{‏خذ العفو‏}‏ قال‏:‏ من أخلاق الناس واللّه لآخذنه منهم ما صحبتهم، وهذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما روي عن أبيّ قال‏:‏ لما أنزل اللّه عزَّ وجلَّ على نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين‏}‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما هذا يا جبريل‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ إن اللّه أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ‏"‏رواه ابن جرير وابن أبي حاتم‏"‏‏.‏ وقال الإمام أحمد عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه قال‏:‏ لقيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت‏:‏ يا رسول اللّه أخبرني بفواضل الأعمال، فقال‏:‏ ‏(‏يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك‏)‏

وقال البخاري قوله‏:‏ ‏{‏خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين‏}‏ العرف‏:‏ المعروف ‏"‏قول البخاري العرف‏:‏ المعروف نص عليه عروة السدي وقتادة وابن جرير‏"‏‏.‏ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏ قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاوراته كهولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه‏:‏ يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال‏:‏ سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس‏:‏ فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال‏:‏ هي يا ابن الخطاب‏!‏ فواللّه ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحر‏:‏ يا أمير المؤمنين إن اللّه تعالى قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏{‏خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين‏}‏ وإن هذا من الجاهلين، واللّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافاً عند كتاب اللّه عزَّ وجلَّ ‏"‏أخرجه البخاري في صحيحه‏"‏‏.‏

وقال ابن أبي حاتم عن عبد اللّه بن نافع‏:‏ أن سالم بن عبد اللّه بن عمر مرّ على عير لأهل الشام وفيها جرس فقال‏:‏ إن هذا منهي عنه، فقالوا‏:‏ نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجلجل الكبير، فأما مثل هذا فلا بأس به، فسكت سالم وقال‏:‏ ‏{‏وأعرض عن الجاهلين‏}‏، وقال ابن جرير‏:‏ امر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وبالإعراض عن الجاهلين، وذلك وإن كان أمراً لنبيه صلى اللّه عليه وسلم فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق اللّه ولا بالصفح عمن كفر باللّه وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حرب‏.‏ وقال قتادة في الآية‏:‏ هذه أخلاق أمر اللّه بها نبيه صلى اللّه عليه وسلم ودله عليها‏.‏ وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى؛ فسكبه في بيتين فيهما جناس فقال‏:‏

خذ العفو وأمر بعرف كما * أمرت وأعرض عن الجاهلين

ولنْ في الكلام لكل الأنام * فمستحسن من ذوي الجاه لين

وقال بعض العلماء‏:‏ الناس رجلان‏:‏ فرجل محسن فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلفه فوق طاقته ولا ما يحرجه، وإما مسيء فمره بالمعروف فإن تمادى على ضلاله واستعصى عليك واستمر في جهله فأعرض عنه فلعل ذلك أن يرد كيده،

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ادفع بالتي هي أحسن نحن أعلم بما يصفون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم‏}‏، وقال في هذه السورة الكريمة أيضاً‏:‏ ‏{‏وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم‏}‏، فهذه الآيات الثلاث في الأعراف والمؤمنون وحم السجدة لا رابع لهن، فإنه تعالى يرشد فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف بالتي هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم‏}‏، ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجان، فإنه لا يكفه عنك الإحسان، وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية، فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك‏.‏ قال ابن جرير في تفسير قوله‏:‏ ‏{‏وإما ينزغنك من الشيطان نزغ‏}‏ وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهل ويحملك على مجازاته ‏{‏فاستعذ بالله‏}‏ يقول‏:‏ فاستجر باللّه من نزغه، ‏{‏إنه سميع عليم‏}‏ سميع لجهل الجاهل عليك والاستعاذة به من نزغه ولغير ذلك من كلام خلقه لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه‏.‏ وقد تقدم في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم، فغضب أحدهما فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد‏:‏ أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم‏)‏ الحديث‏.‏ وأصل النزغ‏:‏ الفساد إما بالغضب أو غيره، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم‏}‏، والعياذ‏:‏ الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر، وأما الملاذ ففي طلب الخير، كما قال الحسن بن هانئ‏:‏

يا من ألوذ به فيما أؤمله * ومن أعوذ به مما أحاذره

لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره * ولا يهيضون عظماً أنت جابره

وقد قدمنا أحاديث في الاستعاذة في أول التفسير بما أغنى عن إعادته ها هنا‏.‏

 الآية رقم ‏(‏201 ‏:‏ 202‏)‏

‏{‏ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ‏.‏ وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ‏}‏

يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر، أنهم ‏{‏إذا مسهم‏}‏ أي أصابهم ‏{‏طائف‏}‏، منهم من فسره بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب، وقوله‏:‏ ‏{‏تذكروا‏}‏ أي عقاب اللّه وجزيل ثوابه ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا باللّه ورجعوا إليه من قريب، ‏{‏فإذا هم مبصرون‏}‏ أي قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ جاءت امرأة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وبها طيف، فقالت‏:‏ يا رسول اللّه إني أصرع، وأتكشف، فادع اللّه أن يشفيني، فقال‏:‏ ‏(‏إن شئت دعوت لك أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة‏)‏،

فقالت‏:‏ بل أصبر ولي الجنة، ولكن ادع اللّه لي أن لا أتكشف، فدعا لها فكانت لا تتكشف ‏"‏رواه ابن مردويه وغير واحد من أهل السنن وأخرجه الحاكم وقال‏:‏ صحيح على شرط مسلم‏"‏‏.‏

وروي أن شاباً كان يتعبد في المسجد فهويته امرأة فدعته إلى نفسها، فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية‏:‏ ‏{‏إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون‏}‏ فخر مغشياً عليه، ثم أفاق، فأعادها، فمات، فجاء عمر فعزى فيه أباه، وكان قد دفن ليلاً فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال‏:‏ يا فتى ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏، فأجابه الفتى من داخل القبر‏:‏ يا عمر قد أعطانيهما ‏"‏أخرجه الحافظ ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه‏"‏ربي عزَّ وجلَّ في الجنة مرتين‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإخوانهم يمدونهم‏}‏ أي وإخوان الشياطين من الإنس، كقوله‏:‏ ‏{‏إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين‏}‏ وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم ‏{‏يمدونهم في الغي‏}‏ أي تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها عليهم وتحسنها لهم، المد‏:‏ الزيادة، يعني يزيدونهم في الغي يعني الجهل والسفه، ‏{‏ثم لا يقصرون‏}‏ قيل معناه أن الشياطين تمد الإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك، كما قال ابن عباس‏:‏ لا الإنس يقصرون عما يعملون ولا الشياطين تمسك عنهم، وقيل‏:‏ معناه كما رواه العرفي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون‏}‏، قال‏:‏ هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس ثم لا يقصرون، يقول لا يسأمون، وكذا قال السدي وغيرهن يعني أنّ الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس، ولا تسأم من إمدادهم في الشر، لأن ذلك طبيعة وسجية، ‏{‏لا يقصرون‏}‏ لا تفتر فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا‏}‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏203‏)‏

‏{‏ وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ‏}‏

قال ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا لولا اجتبيتها‏}‏ يقول‏:‏ لولا تلقيتها وقال مرة أخرى لولا أحدثتها فأنشأتها، وقال‏:‏ لولا اقتضيتها، قالوا‏:‏ تخرجها عن نفسك وهو قول قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، واختاره ابن جرير‏.‏ وقال العوفي عن ابن عباس ‏{‏لولا اجتبيتها‏}‏ يقول‏:‏ تلقيتها من اللّه تعالى‏:‏ وقال الضحاك ‏{‏لولا اجتبيتها‏}‏ يقول‏:‏ لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء، ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا لم تأتهم بآية‏}‏ أي معجزة وخارق، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين‏}‏، يقولون للرسول صلى اللّه عليه وسلم ألا تجهد نفسك في طلب الآيات من اللّه حتى نراها ونؤمن بها، قال اللّه تعالى له‏:‏ ‏{‏قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي‏}‏ أي أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي، فإن بعثت آية قلتها، وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها، إلا أن يأذن لي في ذلك فإنه حكيم عليم، ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات، فقال‏:‏ ‏{‏هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏204‏)‏

‏{‏ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ‏}‏

لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاماً له واحتراماً، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم‏:‏ ‏{‏لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه‏}‏ الآية، ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، كما روي عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم في صحيحه ورواه أهل السنن‏"‏‏.‏ وعن أبي هريرة قال‏:‏ كانوا يتكلمون في الصلاة فلما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له‏}‏ والآية الأخرى أمروا بالإنصات‏.‏ قال ابن جرير وقال ابن مسعود‏:‏ كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة فجاء القرآن‏:‏ ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون‏}‏، وقال أيضاً عن بشير بن جابر قال‏:‏ صلى ابن مسعود فسمع ناساً يقرأون مع الإمام، فلما انصرف قال‏:‏ أما آن لكم أن تعقلوا‏:‏ ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا‏}‏ كما أمركم اللّه‏.‏ وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال‏:‏ ‏(‏هل قرأ أحد منكم معي آنفاً‏؟‏‏)‏ قال رجل‏:‏ نعم يا رسول اللّه، قال‏:‏ ‏(‏إني ما أقول ما لي أنازع القرآن‏)‏، قال‏:‏ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما جهر بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏رواه أحمد وأهل السنن‏"‏‏.‏ وقال عبد اللّه بن المبارك‏:‏ لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرأون فيما لا يجهر به سراً في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سراً ولا علانية، فإن اللّه تعالى قال‏:‏ ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون‏}‏‏.‏ وهذا مذهب طائفة من العلماء وهو أحد قولي الشافعية، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة، وقال الشافعي في الجديد‏:‏ يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم‏.‏

وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل‏:‏ لا يجب على المأموم قراءة أصلاً في السرية ولا الجهرية بما ورد في الحديث‏:‏ ‏(‏من كان له إمام فقراءته قراءة له‏)‏ ‏"‏هذا الحديث رواه أحمد عن جابر مرفوعاً وهو في الموطأ عن جابر موقوفاً قال ابن كثير‏:‏ وهذا أصح ، وقد أفرد لها الإمام البخاري مصنفاً على حدة، واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضاً، واللّه أعلم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، يعني في الصلاة المفروضة، وعن مجاهد قال‏:‏ لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم‏.‏ وقال ابن المبارك عن ثابت بن عجلان قال‏:‏ سمعت ابن جبير يقول في قوله ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا‏}‏ قال‏:‏ الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة، وهذا اختيار ابن جرير‏:‏ أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة، كما جاء في الأحاديث بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة، وقال الحسن‏:‏ إذا جلست إلى القرآن فأنصت له‏.‏ وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من استمع إلى آية من كتاب اللّه كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة‏)‏ ‏"‏رواه الإمام أحمد في المسند‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏205 ‏:‏ 206‏)‏

‏{‏ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ‏.‏ إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ‏}‏

يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيراً كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله‏:‏ ‏{‏فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب‏}‏، وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء وهذه الآية مكية، وقال ههنا بالغدو وهو أول النهار، والآصال جمع أصيل،

وأما قوله‏:‏ ‏{‏تضرعا وخيفة‏}‏ أي اذكر بك في نفسك رغبة ورهبة وبالقول لا جهراً، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ودون الجهر من القول‏}‏، وهكذا يستحب أن يكون الذكر خفياً لا يكون نداء وجهراً بليغاً، ولهذا لما سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا‏:‏ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه‏؟‏ فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان‏}‏، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال‏:‏ رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته‏)‏، وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا‏}‏، فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه وسبوا من جاء به، فأمره اللّه تعالى أن لا يجهر به لئلا ينال منه المشركون، ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم، ليتخذ بين الجهر والإسرار، والمراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين،

ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال‏:‏ ‏{‏إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته‏}‏ الآية، وإنما ذكرهم بهذا ليقتدي بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، ولهذا شرع لنا السجود ههما لما ذكر سجودهم للّه عزَّ وجلَّ كما جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها يتمون الصفوف، الأول فالأول، ويتراصون في الصف‏)‏‏:‏ وهذه  أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع‏.‏